ابن أبي شريف المقدسي
114
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
تعالى في العبد عند قصده اكتساب الفعل مع سلامة الأسباب والآلات « 1 » ، ونقل فيه أيضا أنها عند جمهور أهل السنة شرط لوجود الفعل « 2 » ، يعني أنها شرط عادي يتوقف الفعل على تعلقها به توقّف المشروط على الشرط ؛ لا توقف المتأثّر على المؤثّر « 3 » ، وبهذا يظهر أن مناط التكليف بعد خلق الاختيار للعبد هو قصده الفعل وتعليقه قدرته به ، بأن يقصده قصدا مصمّما طاعة كان أو معصية ، وإن لم تؤثر قدرته وجود الفعل لمانع هو تعلق قدرة اللّه تعالى التي لا يقاومها شيء بإيجاد ذلك الفعل . فإن قيل : القدرة عندكم معشر الأشعرية مقارنة للفعل لا قبله ، فكيف يتصوّر « 4 » تعليق العبد إياها بالفعل قبل وجودها ؟ قلنا : لمّا اطّردت العادة الإلهية بخلق الاختيار المترتّب عليه صحة قصد الفعل أو الترك ، وبخلق القدرة عقب هذا القصد عند مباشرة الفعل ، سواء كان ذلك كفّا للنفس أو غير كفّ ؛ لأن وجودها مع المباشرة متحقق الوقوع بحسب اطراد العادة ، فصح تعليقها بالفعل المباشر ، بأن يقصده قصدا مصمما لتحقق وقوعها « 5 » مع المشروع فيه « 6 » . إذا تقرر ذلك ظهر أن تعلق قدرة العبد التي تعلّقها شرط هو الكسب الذي هو مناط الثواب والعقاب . وهذا التحقيق لائق بكلام المصنف فيما بعد ، لكني رأيت تقديمه هنا ليظهر
--> ( 1 ) انظر : شرح العقائد ، ص 90 . ( 2 ) انظر : المرجع السابق ، ص 93 . ( 3 ) والفرق بين توقف المشروط على الشرط ، وتوقف المتأثر على المؤثر ؛ أن توقف شيء على شيء له صور متعددة : فإن كان من جهة الشروع فإنه مقدمة ، ومن جهة الشعور يسمى معرفا ، ومن جهة الوجود : إن كان داخلا فيه يسمى ركنا ، وإلا فإن كان مؤثرا فيه يسمى علة فاعلية ، وإلا يسمى شرطا وجوديا وعدما ، فالفرق في الفاعلية ؛ أي أن القدرة شرط وجودي لحصول الفعل وليس علة فاعلية ، حتى لا يؤدي ذلك إلى القول بخلق الفعل ، ومعنى قولنا : شرط عادي أي : يمكن الشروع بدونه ، وهو باب الإمكان العقلي ؛ لأن اللّه هو الذي رتب ذلك السبب والمسبب . ( 4 ) في ( ط ) : تصوير . ( 5 ) في ( م ) : وجودها . ( 6 ) فالقدرة المخلوقة تكون مع الفعل لا قبله ولا بعده ، وهذا الذي عليه أهل السنة ، وصرح به الإمام أبو حنيفة في وصية الموت ، ولا تصلح هذه القدرة للضدين ، بل للفعل المشروع فيه بالعزم والتصميم .